آقا بن عابد الدربندي
8
خزائن الأحكام
كلّ صورة إلى غايتها مثل الكهولة ثم تأخذ في الانحطاط وينتقص تلك الرطوبات الأصلية اوّلا فأولا فتضمحل تلك بالنّضارة أيضا بالتدريج لان زمن الزيادة والنموّ يقوى فيه الحرارة والرّطوبة وزمن النقص والانحطاط يقوى فيه البرودة واليبس لتكافؤ الطبائع فيحصل التحليل والفساد بعد الكون وقد تقدم لنا فيما سبق من القول بامكان انقلاب بعض الصور النباتية والحيوانية التي لم تنته إلى غاياتها وتحويلها إلى صور أخرى بالتدبير ومؤانسة الطبيعة المدبرة بالتلطف وحسن التركيب والعلم بالاستحالة وما يوجبه المزاج واما المنحرف التركيب المتداخل الاجزاء والمتخلخل من أنواع المعدن والنبات والحيوان أو السّقيم الناقص الصّورة فله تفصيل في اقسام الأحوال الذاتية ومقادير الاعراض فنقول انه لا يخلو اما ان يكون المنحرف والتركيب قد انتهى به العرض إلى تفرّق الاتصال أو لا فالقسم الأول مثل زوال العلّة الغريزية التي هي علة التماسك في المعدن ومثل جفاف الشجرة بعد نموّها ومثل فساد بعض الأعضاء الرئيسة في الانسان بتحكم العرض فيه فهذه الأشياء لا يمكن علاجها بالتدبير البتة والقسم الثاني يمكن فيه العلاج بحدود طبيعيّة لا بدّ منها مثل معالجة الطبيب للأبدان الانسانية ومعالجة السائس العارف بصناعة الزروقة للدواب والبردار للطيور والفلاح العارف بعلم الفلاحة لأنواع النبات والأشجار ومثل معالجة الحكيم للصور الخمسة الناقصة إلى أن يزول سقمها ويرجع إلى نوعيتها فتعيّن صدق ما ادعيناه هذا وأنت خبير بان أكثر ما ذكر مما يعلم الجواب عنه بعد امعان النظر فيما قدّمنا فلا يلزم بذلك الشيخ مع أن ما تضمّنه أوائل كلامه من حكمه بعدم امكان الانقلاب في البسائط وكذا في المركب المعتدل التركيب المتلزز الاجزاء مما ليس في مخرّه والوجه في الاوّل ظاهر وستطلع على الوجه في الثاني هذا ومع ذلك أقول ان أكثر ما سدّدنا به كلام الشيخ وأيدنا به مرامه كان من المصادرات وجملة منه مما يلازم ارتكاب التأويل البارد والتكلف الشارد كما لا يخفى على المتدرب وبعضا منه كان على خلاف الحق والتحقيق مثل ما زعمه الجمهور من أن في الانسان صورا نوعيّة متعددة وذلك ان صورة النوع الأشرف صورة واحدة مشتملة على المعاني التي وجدت في جميع الأنواع والصّور التي دونها في الشرف والكمال وبعد الغض والاغضاء عن ذلك كلّه نقول إنه ليسأل عن الفرق بين العناصر وغيرها فاثبات الهيولى المشتركة بين العناصر دون الفلزات تحكم وتسمية ما في العناصر بانقلاب امر كما في صفة مما لا ينفعه فائدة بعد تحقق الانقلاب في صور أعيانها وتبدّل الأنواع بتبدّل الفصول على انا لا نريد أزيد من ذلك فيما نجوزه فليكن الحال في الفلزات مثلا كالحال في العناصر لا يقال انّ مراد الشيخ من عدم جواز الانقلاب في غير البسائط ولو بتبدّل الفصول انما في المركبات والمهيات والهويّات التي بينها مغايرة تامة ومجانبة كاملة بمعنى ان لا يكون واحد منها حاويا للآخر بحسب مقامي التّرقيات والتنزلات وذلك كالفرس والانسان وزيد وعمرو وزينب وبكر فانّ الفرق بين ذلك وبين ما فيه ترقيات وتنزلات كالنباتات والنطفة والعلقة والمضغة والحيوان والانسان الحي والانسان الميّت التغاير ترابا إلى أن يعرض أطوار بعثه ونشره مما لا يحتاج إلى البيان فنقول ح ان عدم جواز انقلاب ماهيّة أو هويّة إلى غيرها مما بينها وبينه مغايرة تامة ومجانبة كاملة على النهج المشار اليه مما لا ريب فيه ولا شك يعتريه وقد صرّح بذلك غير واحد من أساطين صناعة الحكمة في مواضع كثيرة فقال بعضهم الفصول بإزاء الصور لا بإزاء المواد لكن الذكورة والأنوثة انما عرضت من جهة المادة فان بدلت عن تلك الحرارة لكان ذلك الشخص بعينه أنثى والفصل لا يكون كذلك لان الحيوان الذي صار انسانا يستحيل ان يعرض له عارض آخر يصير به فرسا والتقريب في ذلك من وجهين كما لا يخفى فالفلزات من المتغايرات والمتباينات على الوجه الذي مرّ هذا لأنه يقال إن المسلّم في ذلك من عدم جواز الانقلاب انما بحسب الأنفس والأرواح لا بحسب الجثث والأجسام النّوعيّة فكلامهم لا يفيد أزيد من ذلك ويكشف عن ذلك ان ما صرّحوا به ان نفوس الحيوانات أنواع متباينة بل التخالف النّوعى بينها باعتبار نفوسها التي هي بمنزلة ذواتها لا باعتبار جثثها التي لا فرق بينها وبين ساير الأجسام هذا في الإشارة إلى امتناع الانقلاب في الأرواح وبالجملة فان امتناع الانقلاب بحسب النفوس الانسانية والأرواح البشريّة فمما يغنى عن تجشّم الاستدلال عليه بشيء وناهيك في ذلك المقام البراهين الدالة على بقائها على الدوام الا على ما يستفاد من الشيخ المفيد ره من افناء اللّه تعالى الأرواح في وقت من الأوقات بعد الموت وقبل النشر مط أو الملهوّ عنهم اى من لم يمت من محض الايمان أو محض الكفر ثم اعادتها وكيف كان فانّ عدم فسادها وعدم فنائها بفناء البدن وعدم تطرق الآفات التي يتطرق إلى البدن إليها مما لا ريب فيه بل انّ هذا اى عدم جواز الانقلاب يتمشى ولو على البناء على عدم تقدّم النفوس على الأجساد بل بحدوثها بحدوث الأجساد مط من غير تفصيل في ذلك كما هو مفاد كلمات جمّ تصريحا ومفاد كلمات آخرين ظاهرا أو اطلاقا أو ان متقدم الحدوث منها على الأجساد انما هي نفوس كلية قدسيّة من نفوس محمّد وعترته الطاهرين ع ومن يحذو حذوهم ثم نفوس الملائكة المقرّبين وان نفوس غيرهم من افراد نوع الانسان نفوس جزئية بالنظر إلى مقابلة ما تقدم وأرواح برزخية بمعنى انها مجرّدة عن المادة دون الصورة وان لأصحاب النفوس الكلية من اكامل الانسان نفوسا جزئيّة أيضا لكنها مستعدة للانسلاخ عن الصور العرضية والترقيات إلى العود والاتصال بكلياتهم كما اختار ذلك جمع من ذوى الانظار من العرفاء وذلك باخراج الأخبار الكثيرة من اخبار الطينة وغيرها بل البالغة حد التواتر المعنوي والدالة على تحقق عالم الذر واثبات نشأة الأرواح على نهج الايجاب الكلى قبل ساير الخلق والمعتضدة بالآيات الظاهرة بل الصّريحة في ذلك عن ظواهرها وصراحتها بل بارتكاب تأويل يشبه الطرح بلا